المبشر بن فاتك

364

مختار الحكم ومحاسن الكلم

وقال جالينوس : من عوّد من صباه القصد في التدبير كانت حركاته وشهواته معتدلة . فأما من اعتاد ألا يمنع شهواته منذ صباه ولا يمنع نفسه شيئا مما تدعوه إليه فذلك « 1 » يبقى شرها ، وذلك أن كل [ 115 ب ] شئ يكثر الرياضة في الأعمال التي تخصه يقوى ، وكل شئ يستعمل السكون يضعف . وقال : من كان من الصبيان شرها شديد القحة فلا ينبغي أن يطمع في صلاحه البتة ، ومن كان منهم شرها ولم يكن وقحا فلا ينبغي أن يؤيس من صلاحه ، ويقدر « 2 » أنه إن تأدب يكون إنسانا عفيفا . وقال : الحياء خوف المستحيى من نقص يقع به عند من هو أفضل منه . وقال : يتهيأ للإنسان أن يصلح أخلاقه إذا عرف نفسه ، فإن معرفة الإنسان نفسه هي الحكمة العظمى ، وذلك أن الإنسان لإفراط محبته لنفسه بالطبع يظن بها من الجميل ما ليست عليه ، حتى إن قوما يظنون بأنفسهم أنهم شجعاء كرماء وليسوا كذلك . فأما العقل فيكاد أن يكون الناس كلهم يظنون بأنفسهم التقدم فيه . وأقرب الناس إلى أن يظن ذلك بنفسه أقلهم عقلا . وقال : العادل من قدر على أن يجوز فلم يفعل ، والعاقل من عرف كل واحد من الأشياء التي في طبيعة الإنسان معرفتها على الحقيقة . وقال : العجب ظنّ الإنسان بنفسه أنه على الحال التي يحب « 3 » نفسه أن تكون عليها من غير أن يكون عليها . وقال : كما أن من ساءت حال بدنه من مرض به وهو ابن خمسين سنة ليس يستسلم ويترك بدنه حتى يفسد ضياعا ، بل يلتمس أن يصحح بدنه وإن لم يفده صحة تامة - كذلك ينبغي لنا أن لا نمتنع من أن نزيد أنفسنا صحة [ 116 ا ]

--> ( 1 ) فذلك : وردت في ابن أبي أصيبعة ، وناقصة في ل . ( 2 ) ل : ولا يقدر . ( 3 ) ش : يجب أن يكون عليها .